منوعات

شعر فِلسطينيٌّ أنا

التاسعُ من ديسمبر، يومٌ شتائيٌّ ماطر، يومَ أن خرجتُ لهذه الحياة من بطن أمي وسطَ زِحامٍ تسبّبت به شقيقتي، فقد أَنجبَت أُمِّي توأمًا؛ ذكرًا وأنثى، كنتُ متعبًا بعض الشيء، فقد اشتدَّ عليَّ الخِناق ولكن بحمدِ الله تعافيت بعد حين، نعم؛ فمعادلةَ التوأمية ذاتُ أهميِّةٍ بالغةٍ في صراع البقاء، في دأبِنا نحو ترسيخ وجودنا على هذه الأرض، فلا بأس بالإعياء والشقاء، أو لأكون دقيقًا أكثر هذا ثمنُ أن تولد على أرضٍ يقطُنها مُحتلّ ويحكمها مُحتلّ، جناسٌ تامّ أراه منعكسًا بوضوح على قضيتنا.. عذرًا نسيتُ أن أخبِرَكم أنني فلسطينيّ، فلا غرابة!

لا أحد مِنّا يختارُ قَدَره، بل إنّ قَدرَك يسعى إليك يحثُّ خطاه نحوك، يختطفُك ليظفرَ بك، ولا تدري أنت بَعدُ أيسعدُك أم يُشقيك أم يُنظرك إلى حِين. ومن بين كل الأراضين اختارتني فِلسطين، فكانت هُويَّتي وحاضري ومستقبلي، وحيثُ ما ولَّيتُ وجهي كانت معي كعلامةٍ للجودة والتميّز ربما، أو لعلّها كمنبهٍ يوقظني حين أغفلُ عنها أو أرغبُ في نسيانِها، تقول لي: لا مفرّ فمرجِعُك إليّ.

بعد حينٍ نكبُرُ أكثر.. لم نَعُد أطفالًا، ولكن اهتماماتِنا لم تتبدّل كثيرًا، فما زال الوطنُ يَشغَلُنا ويحتلُّ فينا الجسد والروح وشغاف القلب.
في طفولتنا في فلسطين نكبرُ سريعًا، أو أنّها طفولتُنا تهجرُنا على عَجَل.. لا فرق، نتعلَّم الكلام سريعًا، ونُتقن مصطلحاتٍ لم يعتد الأطفال في هذه السِنِّ نُطقَها: حجارةٌ، انتفاضةٌ، مقاومةٌ، جيشٌ، جنودٌ، مُعتقلات، “مُستوطنات”.. وتطولُ القائمة، لا يُرهبنا أولئك المُدجّجون بالسلاح، فهم جزءٌ من يوميِّاتنا، وأخشى أن أقول أنّنا اعتدنا على وجودهم.

وفي روضاتنا ومدارسنا نغنِّي للوطن ونتغنّى بحبه والانتماء إليه كوسام فخارٍ أو شرفٍ مطبوعٍ على جباهِنا، ونرتِّلُ سورة الإسراء نعشقُها، ففيها ذُكر المسجدُ الأقصى، وكذلك هي أقلامُنا ورِيَشُنا تخطُّ وترسُم في طفولتها حبّ فلسطين ولا تعرف له بديلًا، وحينَ نُسأل: ماذا تريدُ أن تُصبحَ عندما تكبُر؟ فلا تعنينا المُسمَّياتُ كثيرًا بِقَدرِ ما يَعنينا الهدف، فمهما كان ما تريد أن تصبح فلزامٌ عليكَ أن تَربِطه بفِلسطين.

ليس هذا الوجه الوحيد الذي تعرفُه طفولتُنا، فلها كذلك وجهُها الشاحب، تتدحرج عليه قطراتٌ من عرقِ كدٍّ وتعب، وصوتٍ مبحوحٍ من صراخِ يومٍ طويل، وكأنّ هذا الوجه مرآةٌ تعكس حكاية بحثٍ عن قوت عيشٍ لا يعنينا بِقَدر ما يبقينا على قيد الحياة، بِقَدر ما يُعينُنا على حَملِ مسؤولياتٍ حُمِّلناها حين ابتُلينا بأبٍ جريح وأخٍ أسير وأمٍّ ثكلى لا زالت تبكي فقدها لفلذة كبدها شهيدًا، حين ابتُلينا بفقرٍ وتهجير من حيثُ ننتمي، تتلقَّفُنا قِطعُ هذا الوطن الكَليم وكأننا أكياسَ معونة تُعطى لمستحقيها، وكأننا الدواء والبلسم لجراحٍ كجراحاتِنا وما أكثرها! ولكننا رغمَ ذلك نَبسَم ونقبض على حزننا كالقبض على الجمر، ونقسمُ للقيد أنّه حتمًا سينكسر.

ثمّ بعد حينٍ نكبُرُ أكثر.. لم نَعُد أطفالًا، ولكن اهتماماتِنا لم تتبدّل كثيرًا، فما زال الوطنُ يَشغَلُنا ويحتلُّ فينا الجسد والروح وشغاف القلب. ولذا نعقد العزم على أن نخبر هذا العالم من نحن، ننطلق نحو كل ساحات الإبداع ونسطِّر فيها صفحاتٍ من أمجادٍ وانتصارات، لا نأبه لواقعنا الذي نعيش، لهذا السجن الذي يحيط بنا من كل جانب، لأولئك الذين يُنغصِّون علينا عَيشنا في كل شبرٍ من وطننا يرتعون، فإننا وضعنا نُصب أعيننا أن بقاءهم فينا قصير، وأنّ وهم دولتهم لا محالة زائل، لأنّنا نعلم أنّنا أصحاب حقّ، هذا اليقين الذي تربّى فينا مذ كنا صغارًا، وآمنّا به كبارًا، فكان عنوانًا لكلّ مناسبة، لكلّ احتفال، لكلّ درسٍ أو محاضرة، لا يغيبُ عنّا أبدًا، نحدِّث عنه أصدقاءنا من كلِّ قُطرٍ أو بلد، هو معنا حيثُ كنا، هو شرارةُ كلّ إبداع، وبه نبارز، ونتفوّق، وبه يحسب لنا الجميعُ حسابًا، يقولون: هؤلاء قومٌ أصحاب حق، فلا طاقة لنا بهم.

ونكبُرُ ويكبُرُ معنا حبُّ فلسطين، وتكبُرُ معنا تلك الهموم والأحزان، ويكبُرُ معنا ذلك الإصرار، ونعلمُ حينها ألّا مناص ولا هرب، فإما أن تكون أولا تكون، وتتضحُ الحقيقةُ أكثر: ليسَ سهلًا أن تكون فلسطينيّا! إنّما هو حِملٌ ثقيل، حملٌ هدَّ جبالًا، فحمَلتُه أكتافٌ كانت قد حمَلتُه قبلُ في قلوبِها، فطُوردت في سبيله وحُوصرت، وسُجنت وتعذَّبَت، ولكنّها سطّرت أمجادًا وبطولات، فكانت لنا قدواتٍ يُحتذى بها، ففي فلسطين لا تكاد تجد عائلةً دون شهيدٍ أو جريحٍ أو أسير، نعم فهذه أواصر القرابة فيما بيننا، هو دربٌ نسلكُه جميعًا، قافلةً تلو الأخرى، جميعُها تردد: ” إن لم نكن نحنُ جيل النصر، فنحنُ الجسور وجيلُ النصر يعبرنا “.

وفي فلسطين يعرفُنا الموتُ جيدًا ويألفُنا، لا يَمِيزُ بين كبيرٍ أو صغير، بين ذكرٍ أو أنثى، يطوفُ بيننا وكأنّه فينا مُقيم، وكذلك تعشقُنا الحياةُ ونعشقُها، تذود عنا قدرَ استطاعتها، وكلاهما دومًا في سباق. وفي فلسطين ليس للرجولة عُمُرٌ أو تعريف، فنحنُ مصانعها تُنسب إلينا وبنا تُعرف، فالحقُّ يُعرف بالرِّجال وتعرِفه الرجال.

في فلسطين ستذوقون عصارةً من ألمٍ وأمل، عصارةٌ تجرّعناها كثيرًا، ولكنّ أملًا فينا يتجدد وعزيمةً لا تلين هما أكبرُ من كلِّ ألمٍ عشناه.
وفي فلسطين تُولدُ لغةُ الحبِّ يعرفُها الجميع، فالجارُ للجار، والصديقُ أخٌ وحبيب، وكل الناسِ أعمامٌ وعمّات وأخوالٌ وخالات، وكلُّ الذكور أخوة، وكلُّ الإناث أخوات، وكلُّ النساء أمهات، وفقيدٌ في فلسطين فقيدُنا جميعًا، ولكن رغم كلِّ هذا الحبِّ، فإنّ هناك حواجزًا نصبها شرُّ البريَّة حالت بيننا، فإذا كنت من نابلس فلا تستطيعُ أن ترتبط بفتاة من القدس أو غزة أو الأراضي المُحتلّة أو حتى من الخارج، إلا بعد عناء وشقاء وربما بعدهما لا تستطيع!

هكذا فرضوا علينا قيودهم، توهَّموا أنهم بذلك يقتلون فينا الحب، ولكنّهم لم يعلموا أن حبّنا ينمو فوق الأسوار وعلى القيود وداخل الجدران لا يأبه لهم أبدًا، يتسللُ رغمًا عنهم، نحملُه بين الضلوع حيثُ لا يرونه ولا يستطيعون له سبيلًا.

لم أحك كلّ حكايتنا، وما يزال في جعبتي الكثير، أتركه لكم لتكتشفوه، ليبقى فيكم ذلك الشغف، لتحثُّوا الخطى نحو فلسطين، فهي تفتحُ ذراعيها لكل حبيبٍ وتُخبِّئُ في داخلها الكثير من الأشواق، ولكن اعلموا في فلسطين ستذوقون عصارةً من ألمٍ وأمل، عصارةٌ تجرّعناها كثيرًا، ولكنّ أملًا فينا يتجدد وعزيمةً لا تلين هما أكبرُ من كلِّ ألمٍ عشناه، هما عنوانٌ لكلِّ نصرٍ قادم بإذن الله، في طريقنا نحو التحرير، فلا تقلقوا علينا كثيرًا ولا تجزعوا لأنّنا عُشَّاقُ حياة، وقد تعلمنا صغارًا ” إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة فلا بُدَّ أن يستجيب القدر”.

الوسوم
اظهر المزيد

yahya daabes

Yahya Daabes مدون وناشط شبابي فلسطيني من غزة هاوي التصوير والتصميم والمونتاج خبير إنترنت مواقع إلكترونية مهتم بالسياسة !

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: