عربي ودولي

القضية الفلسطينية ومحاولات تزييف الوعي العربي

بغية ترويج هذه العقيدة السياسية والأمنية الجديدة وتأسيسها، سُخِّرت جوقة من الإعلاميين والمثقفين والسياسيين، مكلفة بشيطنة هؤلاء الخصوم

يتم ذلك عبر إعادة رسم خطوط الصراع وتحديد الحلفاء والأعداء؛ بزعم أن الخطر الجديد لا يتأتى من إسرائيل ولا المشروع الصهيوني المهدد لكل المنطقة في أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها. مكمن الخطر، بل الخطر في حد ذاته وفق هذه الرؤية، هم الفلسطينيون أولا، ثم يليهم محور الشر الثلاثي الذي تمثله إيران وتركيا والإسلام السياسي.

وبغية ترويج هذه العقيدة السياسية والأمنية الجديدة وتأسيسها، سُخِّرت جوقة من الإعلاميين والمثقفين والسياسيين، مكلفة بشيطنة هؤلاء الخصوم المتوهمين والتهجم عليهم وتبييض صفحة العدو الحقيقي المتربص بالمنطقة وشعوبها شرا.

وليس ذلك إلا مقدمة لتمرير ما يعرف بصفقة القرن الرامية إلى فرض مشروع الاحتلال على الفلسطينيين، وتفويت الأرض التي التهمها الاستيطان وتهويد القدس، ومن ثم إغلاق هذا الملف إلى غير رجعة، ورفع كل الحواجز أمام هذه التحالفات الاستراتيجية الجديدة.

لا عجب إذن أن يعد الفلسطينيون من أهل غزة أو القدس الذين تجرّؤوا وانتفضوا على هذا الضيم والعبث بحقوقهم وقاموا للتصدي له، رغم الاحتلال والتنكيل، أن يُعتبروا المنغص الأكبر لصفقة القرن، ومن ثم الخطر الأعظم على النظرية المستحدثة للأمن القومي.

ليس ذلك إلا مقدمة لتمرير ما يعرف بصفقة القرن الرامية إلى فرض مشروع الاحتلال على الفلسطينيين

سبق وأن عرف العالم العربي، في تاريخه القريب والبعيد، صورا شتى من خيانات الساسة وتفريطهم في الحقوق، ولكن لم يسبق أن عرف حكاما ينخرطون بصورة كاملة في معارك العدو، ويضعون سلاحهم مع سلاحه ويصوبونه في صدر الضحية، على نحو ما نراه اليوم.

منذ نكبة فلسطين خبر الفلسطينيون والعرب ضروبا شتى من التخاذل والتواطؤ مع الاحتلال والقوى الكبرى الراعية له، إما حرصا على كرسي الحكم والنفوذ، أو خضوعا لإملاءات القوى الدولية الكبرى، لكنهم لم يشهدوا قط هذا التبني الكلي لرؤية المحتل والاندراج في جبهته السياسية بهذه الصورة الفجة والمعلنة.

الترجمة العملية لنظرية “الأمن العربي” التي ابتدعها قادة الخليج الجدد هي ما نراه عمليا، من قدح في الفلسطينيين وتهجم عليهم وتحميلهم مسؤولية المآسي التي سلطت عليهم، من حصار وتجويع وتدمير للحد الأدنى من مقتضيات الحياة.

مشكلة هذا الجيل الجديد من الحكام الذي أعمته شهوة السلطة والمال، أنه يفتقد الحد الأدنى من الحس التاريخي، ولا يدرك قوانين الجغرافيا والاجتماع في هذه المنطقة من العالم

وهي تتبدى أيضا في نسج علاقات تحالف عضوي مع إسرائيل واللوبيات اليمينية والصهيونية المرتبطة بها في الولايات المتحدة الأمريكية وسائر العواصم الغربية الكبرى.

مشكلة هذا الجيل الجديد من الحكام الذي أعمته شهوة السلطة والمال، أنه يفتقد الحد الأدنى من الحس التاريخي، ولا يدرك قوانين الجغرافيا والاجتماع في هذه المنطقة من العالم.

هذه الرقعة التي ردت غزاة ومحتلين، وصدت مغامرين وابتلعت آخرين، كانت وما تزال تعتبر القضية الفلسطينية الميزان الرئيس الذي تقاس به المواقف والسياسات ويوزن به الرجال، رغم الصلف والعبث ومحاولات تزييف الوعي.

لقد حكمت أيديولوجيات وأنظمة وعمرت عقودا متتالية في أكثر من بلد عربي استنادا إلى شرعية فلسطين ومقاومة المشروع الصهيوني. لم يكن ذلك مجرد خدعة أو جهلا من الرأي العام العربي الذي قبل بها، بل لأنه يدرك بأن فلسطين قضية كبرى تولى الأولوية المطلقة، وإن اقتضى الأمر أن يضحي بأولويات أخرى.

ولو كان لهؤلاء القادة الجدد شيء من الحكمة لأدركوا أن فلسطين، مثلما يمكن أن تبني شرعيات وتقيم حكومات، كفيلة أيضا بالإطاحة بشرعيات واستنزاف حكومات وأنظمة، مهما علت وتجبرت.

الرأي العام العربي والإسلامي، وإن بدا ضعيفا منصرفا إلى شؤونه اليومية في الظاهر، إلا أنه يدرك تماما أين تقع خطوط التمايز بين الصديق والعدو. وهو لن يقتنع في كل الأحوال بأن إسرائيل نتنياهو هي الحليف وأن الفلسطينيين والأتراك والإيرانيين هم العدو. واهم من يتصور عكس ذلك، ومن الأوهام ما هو قاتل، إذا استبد بصاحبه أودى به إلى التهلكة.

الوسوم
اظهر المزيد

yahya daabes

Yahya Daabes مدون وناشط شبابي فلسطيني من غزة هاوي التصوير والتصميم والمونتاج خبير إنترنت مواقع إلكترونية مهتم بالسياسة !

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: